الثعلبي
21
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
النسور تهوي تمشي في رفوفها ، وسمعت لغطاً شديداً ، حتّى خفت على نبي الله ، وغشيته أسورة كثيرة حالت بيني وبينه ، حتّى ما أسمع صوته ، ثمّ طفقوا ينقطعون مثل قطع السحاب داهنين ، ففزغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر ، ثمّ انطلق إليَّ ، وقال : ( أنمت ؟ ) فقلت : لا والله لقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتّى سمعتك تقرعهم بعصاك . تقول : ( اجلسوا ) . قال : ( لو خرجت لم آمن أن يتخطّفك بعضهم ) . ثمّ قال : ( هل رأيت شيئاً ؟ ) . قلت : نعم رأيت رجالاً سوداً مسفري ثياب بيض . فقال : ( أولئك جنّ نصيبين سألوني المتاع ) والمتاع الزاد ( فمتعتهم بكلّ عظم حائل وبعرة وروثة ) . فقالوا : يا رسول الله يقذرها الناس علينا . فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يُستنجى بالعظم والروث . قال : فقلت : يا رسول الله وما يعني ذلك عنهم ؟ قال : ( إنّهم لا يجدون عظماً إلاّ وجدوا عليه لحمة يوم أُكل ، ولا روثة إلاّ وجدوا فيها حبّها يوم أُكلت ) . فقلت : يا رسول الله ، لغطاً شديداً . فقال : ( إنّ الجنّ يدارك في قتيل قتل بينهم ) وقيل : قتل ( فتحاكموا إليَّ ، فقضيت بينهم بالحقّ ) . قال : ثمّ تبرّز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ أتاني فقال : ( هل معك ماء ؟ ) . قلت : يا رسول الله معي أداوة فيها شيء من نبيذ التمر ، فاستدعاه فصببت على يديه فتوضّأ . وقال : ( تمرة طيبة وماء طهور ) . قال قتادة : فذكر لنا ابن مسعود لمّا قدم الكوفة رأى شيوخاً شمُطاً من الزط ، فأفزعوه حين رآهم . وقال : اظهروا . فقيل له : إنّ هؤلاء قوم من الزط ، فقال : ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الجنّ . قال : أخبرنيه ابن منجويه ، حدّثنا ابن حنش المقري ، حدّثنا ابن زنجويه ، حدّثنا سلمة ، حدّثنا عبد الرزاق ، حدّثنا معمر ، عن قتادة بمثل معناه إلاَّ إنّه لم يذكر قصة نبيذ التمر . أخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي ، حدّثنا محمّد بن الحسن الصوفي ، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن صالح بن ذريح ، حدّثنا مسروق بن المرزبان ، حدّثنا ابن أبي زائدة ، حدّثنا داود بن أبي هند ، عن علقمة ، قال : سألت عبد الله بن مسعود ، هل كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الجنّ ؟ . فقال : لا لم يصحبه منّا أحدٌ . ولكنّا فقدناهُ ذات ليلة ، فقلنا استطير أو اغتيل ، فتفرّقنا في الشعاب والأودية نلتمسه ، فلمّا أصبحنا رأيناه مقبلاً من نحو حراء . فقلنا : يا رسول الله ، بتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم ، نقول : استطير أو اغتيل . فقال : ( إنّه أتاني داع من الجنّ ، فذهبت أُقرئهم القرآن ) . قال : وأراني آثارهم وآثار نيرانهم . قال : ( فسألوه ليلتيئذ الزاد ) .